صيــد المطـــــر
فى هذه المدونة أنشر قصصى ورواياتى ، وأحاول أن أغرد مثل كل العصافير

التكعيــبة

التكعيبــــة

 
           قلت لجدي في دهشة بعد أن قطع فروع العنباية الفيومي الكبيرة ، وجلس يقلم العقل ، يبريها مثل سيدنا عندما يقوم ببرى أقلام البوص ، ويتمتم بتعاويذ وأدعيه منبها على أبى ألا يدهس في قاع الخط ...:

 _ هل من الممكن أن تنبت يا جد ..؟!

تفرس وجهي بتكشيرة بدت واضحة على سمرته التي خلفتها الشمس منشغلا
في استكمال ما بدأه على نغمات مواله ..

          ( يا زارعين العنب وارموا كنا بيشى

            زرعت لك العنب ري الطرابيشي

             يا ساقية دوري يمين وشمال

         وأسقى العنب والخوخ والرمان ..)

            وقفت مترقبا أبى المنكفئ كما لو كان راكعا في الصلاة ، يعمل في صمت ، وعرفت بخبرة المشاهد أن الشتلات لا تزرع إلا مع بداية شهر أمشير استعداداً لفصل الربيع ، تكتسي أشجار التوت ، والمشمش بالأوراق ، وجدي قد أهتم ببناء هذه التكعيبة ليرتاح في ظلالها ويأكل من ثمارها ، كما يقوم بتطعيم أشجار اللوز بالخوخ
فيزيد الإنتاج .

            لكن هل من المعقول أن تنبت هذه العصي ، سبحانه في ملكه ، يخرج الحي من الميت ويخرج من الميت الحي .

***

            بمرور الأيام ، وتحت الملاحظة المستمرة ونصائح جدي المتكررة بالري المنتظم وعدم التغريق ، والحفاظ على درجة الرطوبة ، ظهرت على العقل المغروسة في الأرض " بذوذ " مائلة للخضرة ، كبرت بسرعة إلى براعم امتدت فروعًا تكسوها أوراق كبيرة متسلقة التكعيبة الخشب ، وأطلت عناقيد بين الأوراق تشبه حبات مسبحة نور الصباح التي جاءت لجدي من الحجاز في ضوء الشمس ، غردت البلابل ، وزقزقت العصافير فوق ذكر النخيل الواقف في كبرياء يطاول عنان السماء تطل من قلبه اكواز اللقاح بلونها البني الداكن ..

***

بموت جدي أهملت التكعيبة ، وتصارع أعمامي على قسمة الميراث وجفت فروع العنب حتى ماتت العنباية الفيومي الأم ، وسكنتها الفئران والوطاويط والبوم ، وكلما مررت عليها انقبض قلبي خوفاً ، في الليل دبرت مكيدة لعمى عوض الذي أصبحت من نصيبه وتركها خاوية على عروشها ، عقدت العزم مع أخي محمود على حرقها وجئنا بأكوام قش الأرز متسللين إليها ..أشعلنا فيها النار ، وسمعنا صرخات ، تشق سواد الليل .

***

في الصباح سمعت عمى عوض يحمد الله أنه استراح منها. لكننا قد عزمنا أنا ومحمود على بناء التكعيبة أمام الدار ، جئنا بالشتلات وزرعناها ، وبعد أيام انشرح صدري لرؤية الأوراق الصغيرة ، ترحمت على جدي ، وقرأت على روحه الفاتحة .

 

 

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 03 مايو, 2007 06:58 م , من قبل محمود مغربى

المبدع الجميل ابراهيم عطية
تحية وارفة المحبة
تجولت فى حديقتك المدهشة وسعدت كثيرا بكل مافيها 00000
طبعا لك الشكر الجميل يابن عطيه لانك اضفت موقعى فى حديقتك 000000000
طبعا دخلت على موقعك من خلال البحث فى جوجل عن محمومغربى 00 ودخلت ايضا موقع العربى عبد الوهاب 000
الى الامام ايها الجميل
محمود مغربى
الولد الفوضوى


اضيف في 18 مايو, 2007 12:32 ص , من قبل ebnatia
من مصر

الشاعر الرقيق محمود مغربي
خالص محبتي للولد الفوضوي
الذي اعتز بصداقتي له ، دائما أنت في القلب ، ويسعدني أن تتلاقي الأرواح عبر الحياة ، صدقني مهما تباعدنا واخذتنا دوامة الحياة ومشاغلها أنت في القلب دائما واتابع أخبارك من الأصدقاء
يشرفني اقتران مدونتك معنا
أيها الشاعر الفوضوي الجميل
إبراهيم عطية




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية