صيــد المطـــــر
فى هذه المدونة أنشر قصصى ورواياتى ، وأحاول أن أغرد مثل كل العصافير

حصان خشــب

حصان خشـب

 

 

           خالتي (حسنيه) أخذتني من يدي ، وهربنا من أمي التي توعدتها بالضرب لأنها منذ يومين رمت التفل الباقي من عصر الكسبرة وفول " البصارة " المملح للكتاكيت فانتفخت الحواصل ، وانتشرت الفرة وعدوى عين الحسد كومتهم ريشا
في الزريبة.
            وحين حضرت أمي من السوق هفهفت رائحة الطعمية والعيش الخاص ، وحكيت لها ما حدث بالحرف، وجلست أمامها ملهيا في حلاوة البوظة متناسيا ،
وعدى ألا أفتن عليها.
            واليوم العيد الصغير قررت الهرب في غفلة الجميع ، آخذة كل فلوس العيدية قائلة أنها سوف تريني الحاوي الذي يبلع النار ، ويعزم على البيضة فتفقس كتكوتاً
في الحال ، ورجل يغلب السبع ، وشوارع كبيرة تجرى فيها العربات الملونة .

بمكرها ضحكت على بعد أن قالت ..:

 _ عارفه أنك بتحب المراجيح ، هناك سوف أركبك دوارية بتلف فيها أحصنة وعربات خشب على نقرة الطبلة والصاجات .

            وطرت على الطريق الطويل ، قابلتني زعابيب ردمت هدومي الجديدة ، وفرت الدمعة من عيني الموجوعة بالرمد الربيعي ، أمي لو شافتنى سوف تضربني بالعصا الجريد لأني أفـسدت ما فعـلته من وصـفات وفى الـصباح وضعت فـيها “ ششم ” من حك المحارة بالحصى ، قلت بعد أن جلست استريح من المشوار تحت شجرة توت على شط الترعة ...:

 _ رجلي وجعتنى يا خاله ..!

طبطبت على ظهري ، وغطاني ريش الحمام الأبيض ، والورد الأحمر المرسوم فوق جلبابها الكستور..:

 _ خلاص قربنا يا عيني ..!

وأعطتني قطعة سكر نبات من ورقة أخرجتها من صدرها ، كانت قد اشترته من الرجل الذي يمر في الشوارع بقرش صاغ .

            فرحت بعدما أخبرتني أننا في طريقنا لدار ستى في البندر وقلت أن شافتنى ستفرح والدنيا لن تسعها ، وتأتيني بالملبس والهريسة المعتبرة التي تحضرها كلما زارتنا في القرية في المواسم والأعياد ، وكنت أحنس العيال باللعب التي يرسلها خالي (حسن) الذي أسموني على اسمه ، ويحبني ويخاف على من ركوب الحمير حتى لا أقع ويكسر ذراعي مثل أخي (حامد) الكبير ، فاشترى لي حصان خشب .. آه لو هنا لركبته ، أكيد يعرف السكة لدار ستى أم حسن كان وصلني على طول في غمضه عين .

***

دخنت الدنيا ... الشمس البعيدة احمرت وقربت من الأرض .. ومر أتوبيس الشركة بميعاد آخر النهار ، السكة الطويلة تعفرت ، والغيطان اختفت ، كلبشت في يد خالتي (حسنيه) بنت الجنيه المعجونة بماء العفاريت ، تزك على رجلها العرجاء ، وتحجل على السليمة في سرعة الفرس الرهوان ، كثيرا ما لعبت (الحجلة) وغلبت البنات. فجأة نبح علينا كلب أغبش ، شعرت برعشة أغرقت جزئي السفلي عندما فكت يدها وجرت ، تسمرت مكاني متجرأ على خوفي ، وملت على طوبة قذفتها في وجهه ، صرخ من قوة الضربة وفر إلى قلب الزرع.

***

            ظهرت من بعيد نقط الضوء مثل النجوم في السماء فأسرعت الخطوات ناحية دار الونس ، وحملتني خالتي وأنفاسها تنهج من التعب ..:

_ عارفه يا روحي أنك تعبت ..!

        وأعطتني قطعة أخرى من سكر النبات غيرت طعم فمي وذاب التعب في حلاوتها ، وغرقنا في نور العمدان ، رحت ابص للدور العالية ، والمراجيح التي تعلو قواديسها وتهبط والدواريات تلف وتدور ، وعيال كثيرة فى ملابسهم الجديدة ،
تهيص والشوارع مزدحمة بصفوف العربات.

            فاحت رائحة البول من جلبابي المتسخة ، ومسحت في كمى الدموع التي سالت من عيني الوارمتين بحريق شطه العفار.

***

            على عتبة الدار دخلت خالتي ، اتبعتها متخفيا وراءها ، عند رؤيتها ستى بكت بحرقة من لدغتها عقربه ، وما أن وقعت عين ستى على حتى شهقت ضاربة صدرها..:

 _ يالهوتى .. الشر بره وبعيد .. إيه اللي حصل يا بت ..؟!

أختك جرى لها حاجه ..؟! أنطقي .. ردى ردت الميه في زورك ..!

نهنهت ، وزاد بكاءها وقالت …:

 _ أختي عايزه تضربني يامه وهربت منها ..!

انقلبت الدنيا ، وتجمع ناس كثيرة لا أعرفهم ، وخالتي التي انفتحت في البكاء لا تريد أن تسكت ، صوتها المزعج إلا أن ستى أدركت الموقف وقالت
لخالي حسان ..:

 _ زمان الدنيا مقلوبة ، عليهم في البلد ولابد أن تسافر حالا وتطمئنهم بأي وسيلة ..

غمغم ورطن بكلمات غير مفهومة وقام منفذا للأمر .

            فعصت عيني ، ووقفت وحدي أبكى ، لكن خالتي (سهير) تنبهت لوجودي ، وأخذتني لتحميني ، وتغير هدومي المبتلة ...:

 _ يا كبدى تلاقيك على لحم بطنك من الصبح ..!

            بدات الرعشة التي أصابتني تختفي في دفء الفراش ، ووضعت رأسي على رجل ستى كما تفعل أمي وأصابعها تنبش في شعري ، وبدأت نقط القطرة تغسل غشاوة الظلمة بزغلله نور الكهرباء ، وطارت بالونات العيد، ولفت دوارية النوم فوق الحصان الخشب الذي دبت فيه الحياة ، استقبل أمي الواقفة على عتبة الدار وتنادني ، إلا أن الحصان فرد جناحيه وطار بعيدا إلى السماء.

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية