صيــد المطـــــر
فى هذه المدونة أنشر قصصى ورواياتى ، وأحاول أن أغرد مثل كل العصافير

دفء المشاعر

 

 

الفراغ الذي يحتويني احتويته ، سرنا معاً نبكي بيوت العاشقين ، وعمارات الأسمنت العالية تناطح السحاب ، المدينة هي المدينة تتساقط من أجفان نوافذها قطرات الوجع الساكن فينا ، شوارع مخنوقة بالدخان ، وأسراب الضوضاء تخترق السمع ، وساعة الميدان تُحسرنا على الزمن الذي يمضي ، يبعثر سنوات العمر في معنيٍ بلا حياة .

تبلدت أحاسيس التمني ، وصار صباحي مسائي ، ليلٌ ممتدٌ ، ونهارٌ باردٌ ، يسري بأوردتي ، تنتابني رعشةٌ ، تهز سكون الوحشة ، ولا يبقي سوي جسدٍ مهملٍ ، افترسه الأرق ، وامتص عبير نضارته ، نحافةٌ باتت تلازمني ، هرب الدم من العروق ، فتجمدت أطرافي ببرودة ثلج الوحدة وتخدرت المشاعر بمصل التبلد ، عشتُ الحياةَ بلا حياةٍ ، وأخذتني الدنيا في دوامتها …

في الصباح الذي هو مثل كل الصباحات ، يمر ثقيلا ، خرجت من رحم المنزل الذي ألوذ إليه مضطراً كل مساء ، أجر الخطي إلى كشك بائع الصحف الواقف على ناصية شارع مصطفي كامل ، يتوافد عليه جموع الناس ، تصفحت عناوين الجرائد اليومية ، وما وصلت إليه أزمة احتلال أمريكا للعراق من تطورات ، وحركة المجاهدين في مقاومة قوات " المارينز " وسقوط آلاف الضحايا من المدنيين الأبرياء ، تذكرت ما تبعثره الإذاعات طوال الليل من أكاذيب ..( في خبر عاجل أكد مصدر مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية عن وجود أسلحة دمار شامل غرب العراق وجار الكشف عنها .) وأسرار جديدة حول وقائع غرق عبارة " السلام " وارتفاع عدد الضحايا ، تلقي بظلالها على الناس في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة ، وارتفاع الأسعار من قبل بعض التجار الطماعين ، وانتشار فيروس أنفلونزا الطيور في دول شرق آسيا ، وما يمثله من خطر يهدد العالم ، توجهت إلى المكتب حاملاً آخر الأخبار الرياضية ، والحوادث ، وفضائح الفنانين ، وحكاية الراقصة ( دينا ) مع ( حسام أبو الفتوح ) التي تتصدر الصفحات الأولي ، وأحدث صيحة في عالم الموضة ، تستقبلني إحدى الزميلات مهللة .. :

-         أهلا يا باشا .. أخيرا وصلت وكالة الأنباء المتنقلة ..!

استأذنت وأخذت " الأهرام " من بين طيات الصحف التي أخرجتها من حقيبتي ، وراحت تقلب الصفحات في عجالة كأنها تبحث عن خبر ما ، أو قد يكون هناك علاوة غلاء على المرتب الذي لا يغني ولا يثمن من جوع ، بالكاد ندبر أمورنا حتى نهاية الشهر ، طوتها بين يديها ، وتوجهت ناحية مكتبها ، راحت تقلب الصفحات باهتمامٍ شديدٍ ، إلا أن ( سهير ) زميلتنا الثالثة هبت واقفةً كأنها تبحث هي الأخرى عن شئ يتعلق بها ، صاحت بنبرات استجداء ناعمة .. :

-         والنبي يا إيمان شوفي لي برج الحوت .. !

أجابتها باسمة ً، مداعبة ً كعادتها بخفة ظلها التي عهدناها منها :    

-    شوفي يا ست سوسو .. بريق حظ وعاطفة تغير مسار الحياة ، تقابلين من يعبر لك عن مشاعر شفافة ، لا تلبث أن تسبب لك الحيرة ، تخوضين تجربة عاطفية تنتهي بالزواج .

وعقبت بعبارة مليئة بالدهاء .. :

- يا سيدي .. حظ عوالم ، جتنا نيله في حظنا الهباب ..!

احمرت وجنتا (سهير) خجلا ، متحسرة على الصبا والشباب ، اللذين يشعان من جسدها الواهن بعد أن توفي عنها زوجها ، وتركها وحيدة مع طفلين .. لكن ( إيمان ) تداركت الموقف في عجالةٍ ، وغيرت الموضوع ، سألتني موارية نظراتها في الجريدة ..:

-         وأنت بقي برجك إيه ..؟!

-          الجوزاء .

خرجت بتلقائية واسترسلتُ في الحديث ..

-         مع إني لا أومن بالحظ .. ما حدش بيطلع على الغيب ، كذب المنجمون ولو صدفوا ..!!

-     أيوه يا سيدي .. عاطفي .. حدث كبير يغير مسار حياتك ، تلتقي بالنصف الثاني بعد سنوات طوال قضيتها بحثاً عنه ، تمسك بمن تحب وواجه جميع المشاكل بقوة ، فأنت قادر على مواجهتها وتسويتها ..

وأضافت من عندها عبارة ... :

-    يعني يا حلو حتطب ولا حد  حيسلم عليك .. يا عيني كل ده مستنيك يا حرام .. ! يا ما نفسي أشوفها اللي حتوقعك في شباكها .. !

ضحكنا معاً ، حاولتُ تغيير الموضوع ، وانفرطت من بين شفتي الكلمات ..:

-    كل ده ولا في الأحلام ، فين دي اللي ح ترضي بواحد زي حالاتي ما حلتوش اللضي ..؟! البنات دلوقتي كل تفكيرهن في عريس جاهز معاه عصاية موسي ، يقدر يجيب لهن كل حاجة ، وده اللي خلي الشباب يا خدها من قصيرها ويضرب عن الزواج ، وبالتالي ارتفعت نسبة العنوسة بشكل مخيف ..!

هممتُ بالوقوف ، وعلقتُ حقيبتي على كتفي ، مستأذناً بالانصراف ، كي أقوم بجولاتي اليومية ، وتتبع أخبار الناس ، بحثا عن خبرٍ ، يصلح لإرساله عبر الفاكس للصحيفة
 التي أعمل بها .

النهارُ عاديٌ ، كل شئٍ يبدو طبيعياً ، يسير على نفس الوتيرة ، ملل وكآبة ، فوق وجوه البشر السائرين يحدثون أنفسهم عبر تليفونات المحمول المغلقة ، هواء الشتاء يعبث بالمارين في الشارع ، نمطٌ واحدٌ للحياةِ ، مللٌ يقيدُ الأيامَ التي لا تتغير ، وجوهٌ صامتةٌ وعيونٌ جاحظةٌ لأُناسٍ يسيرون سكارى ضيق العيش .

سحبني الفراغ للشارع .....، ..

عند عبوري للجانب الآخر من الطريق ، استوقفتني فتاة ظهرت فجأة ، لم أعرها اهتماما ، حاولت أن أولي بعيدا عنها ، ظنا مني أنها تسألني بعض النقود كما هو معتاد من بعض الفتيات اللائى يتسولن في هذا الميدان ، لكن نبرات صوتها الحنون جذبتني إليها ، وما إن تلاقت العيون ، حتى ذبتُ مع قطرات المطر المتساقطة فوق الأسفلت ، تغلغلت سهام رموش عينيها إلى قلبي دون استئذان ، انتابتني رعدة ، لم أتمالك من جمع شتاتي الملقاة على الرصيف ، كأني أعرفها وتعرفني منذ أن خلقنا الله ، تلجمت كثيراً وضاعت مني حروف الأبجدية ، حاولت جمع بعض الأحرف سائلا إياها إحنا ما اتقبلناش قبل كده يا بنت الناس .. ؟!

كأنها حورية ، خرجت الآن من بحر ( مويس ) أو هي عروس البحر التي تسكنه منذ عهد الفراعنة جاءتني ، كي تُنِعْم بعبير الحياة للقلب الموصد فازدادت دقاته ، وانسابت كلماتها ..:  

-          مش عارفه أنا حاسه إني أعرفك من زمان ..!

جلسنا نتبادل الحديث ، لساعات مرت كأنها ( فمتو ) من الثانية ، باحت ليّ بقصائدها ، التي تفيض بالوجد والحنان ، ارتميتُ على صدرها كطفل يتضور جوعا ، وجد أمه التي غابت عنه منذ سنين ، بدت كفرسٍ جامحٍ ، تصهل في البرية في انتظار فارسها ، إلا أن الحزن صبغ عباءتها السوداء ، وغلف نبرات صوتها ببحة ، جذبتني إليها فأدركت أنها هي التي جاءتني ليلة البارحة ، قمراً داعب طيفه خيالي ، وأنار الظلمة التي ابتلعتني متاهتها طوال أربعين عاما مرت من عمري ، لم أفكر في الزواج ، واقتصرت علاقاتي بالنساء على مجرد تدليك للمشاعر ، تنتهي بمجرد انشغالي بأمور الحياة  .

سألتها عن اسمها الذي كنت أتوقعه قبل أن تنطق به .. على استحياء طفولي ، تواري خلف حمرة الخجل ..همست .. :

-         أميرة .

-          يعني أيمو .. !

رمتني برمشها الكُحيل وبنظرة دلال من عينيها العسليتين قالت ..:

-         مش بالواو .. باليه .. باليه .

زفرت زفرةً أحرقتني بلهيبها ، أحسست بدفء مشاعري ، انزاح الغمام ، وطلعت علينا شمس الظهيرة ، تغازل وجه القمر الواقف أمامي في استحياء ، استسلمنا لعبير النظرات التي أسكرتنا ، وتناجينا كعصفورين فوق سلك الكهرباء في قلب الشارع ، الذي احتوانا وسرنا معا نحـو الحياة …  

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 12 يوليو, 2007 01:42 ص , من قبل ند العربى
من مصر

مدونتك رائعمة
أرجو أن تستكمل مشروع النشر فى المدونة
على هذا النحو
ندا العربى




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية