في "يوميات نائب في الأرياف" و"حوريات الضوء" قراءة نفسية تحليلية د.خالد محمد عبد الغني كاتب وباحث مصري المجذوب: لا يُقَدَّ قميصي من دبر مرة وليُقَدْ من قُبُلٍ ألف مرة وليذوب دم عنقي فيه فأموت بين يديها ___________ · موضوع الدراسة: ينصبُّ اهتمامنا في هذه الدراسة على محاولة التعرف على الجوانب الرمزية في لغة المجذوب باعتبارها لغة اللاشعور التي تنطق بما يعبر عن الذات ، ولقد وقع اختيارنا على شخصية الشيخ عصفور في رواية " يوميات نائب في الأرياف " لتوفيق الحكيم ، وشخصية أبو صفارة في قصة " أحلام أبو صفارة " ضمن مجموعة " حوريات الضوء " لإبراهيم عطية ، لأن كلا من الشخصيتين يمتاز بلغة رمزية تعتمد على عدة كلمات ثم يقوم بتكرارها وترديدها من حين لآخر ، وهذه الكلمات كانت بمثابة اللغز الذي لو تم تفسيره بشكل صحيح سيقدم لنا خلاصة للتجربة الإنسانية واهتماما بقضايا المجتمع المصري ، وسنحاول – أيضا - من خلال تحليل مضمون الكلمات وخصائص شخصية الشيخ عصفور وأبو صفارة بيان مدى تأثر كل من توفيق الحكيم وإبراهيم عطية بثقافته وشخصيته واسقاطهما على شخصية المجذوب - الشيخ عصفور و أبو صفارة - في عملهما الأدبي . · موضوع الدراسة: ينصبُّ اهتمامنا في هذه الدراسة على محاولة التعرف على الجوانب الرمزية في لغة المجذوب باعتبارها لغة اللاشعور التي تنطق بما يعبر عن الذات ، ولقد وقع اختيارنا على شخصية الشيخ عصفور في رواية " يوميات نائب في الأرياف " لتوفيق الحكيم ، وشخصية أبو صفارة في قصة " أحلام أبو صفارة " ضمن مجموعة " حوريات الضوء " لإبراهيم عطية ، لأن كلا من الشخصيتين يمتاز بلغة رمزية تعتمد على عدة كلمات ثم يقوم بتكرارها وترديدها من حين لآخر ، وهذه الكلمات كانت بمثابة اللغز الذي لو تم تفسيره بشكل صحيح سيقدم لنا خلاصة للتجربة الإنسانية واهتماما بقضايا المجتمع المصري ، وسنحاول – أيضا - من خلال تحليل مضمون الكلمات وخصائص شخصية الشيخ عصفور وأبو صفارة بيان مدى تأثر كل من توفيق الحكيم وإبراهيم عطية بثقافته وشخصيته واسقاطهما على شخصية المجذوب الشيخ عصفور – أبو صفارة -.في عملها الأدبي . · اللغة في التحليل النفسي: يقول فرج أحمد فرج:" كان ميلاد التحليل النفسي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين معلما من معالم تطور علوم الانسان في سعيها نحو فهم أعمق وأشمل وأصدق لظاهرات الوجود الانساني ، وقد أتاح ذلك أن ينفذ التحليل النفسي الى جوهر الوجود الانساني بما هو كذلك ويتمثل في بعدين متعامدين هما بعد المعنى وبعد العلاقة فأما العلاقة فتظهر في كون الانسان أنس ومؤانسة ، وجود في حضرة الاخرين ، إنه وجود مع ، أو كما يذهب هيدجر وجود "في" العالم ، عالم البشر في المقام الاول ثم عالم الاشياء وقد أضفى عليها الوجود البشري عمقا ومعنى بشريا ومن هنا يقال : الانا هو الاخر ، إذ لا وجود للأنا إلا بآخر يتعرف على نفسه من خلاله ويتحقق من الوجود بقدر ما ينال من اعتراف الاخر بهذا الوجود ، وهذه العلاقة تتحقق من خلال التواصل والحوار وهكذا ياتي دور اللغة أياً كانت أشكالها وأياً كانت مستوياتها ، أداة لهذا التواصل والحوار ، بدءاً من الإيماءة أو الاشارة بالجسم أو بعضو منه وصولا الى أرقى أشكال التعبير اللغوي والشعري" (1) ويذهب مرة ثانية الى القول بأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ، فهو يتعلم عن طريق التنشئة الاجتماعية الأنساق التعبيرية وتكوين الإرادة ، لذلك فهو وجود في حضرة الآخرين سواءٌ أعرض عنهم أو أقبل عليهم ، فهم أبداً مرآة وجوده ، وهذا الوجود يكون غفلاً لايتحقق إلا باعترافهم (2) ،ولعل هذا ما دفع جاك لاكان Lacan إلى القول بأن الميلاد الحقيقي للإنسان إنما يكون في الآخرين ، ومنهم يستمد الشعور واللاشعور معاً (3) . ويؤكد ذلك المعنى جون ماكموري بقوله :" إن وجود الآخرين ضروري لكي يدرك الإنسان وجوده الحقيقي "(4) . · التحليل النفسي البنيوي للأدب: يعرفنا عبد الله عسكر أن مع جاك لاكان لم يعد التحليل النفسي للأدب مجرد كشف عن الصراعات النفسية أو العقد التقليدية في عمل أدبي ما بقدر ما عليه أن يوضح وأن يصف لغة العقل الباطن الرمزية وما لها من خصائص أصيلة، وأن الظاهرة النفسية والدال قد انعتقا من البيولوجيا لتدخل الى عالم السيميولوجيا – علم المعاني – فالعمل الأدبي أصبح يمثل الخطاب الشرعي للظاهرة النفسية، وإن التحليل اللاكاني- نسبة الى جاك لاكان – للأدب قد تأسس وفقا لبنية ذلك الخطاب من خلال التفسير البنيوي للإستعارة والكناية ، تلك التي تمثل اللعب البشري من خلال الرمز أو العلامة حيث تستعيد الذات بنيتها عبر بنية اللغة بدءاً وعودة ، وعودة وبدءاً في علاقة توسطية بين وجهي الظاهرة النفسية وهما الشعور و اللاشعور ، وعلاقة توسطية بين وجهي اللغة وهما الدال والمدلول ليصل الى نتيجة مؤداها أن المرسل يتلقى من المستقبل الرسالة التي أرسلها إليه في شكل معكوس و أن الرسالة دائما تصل الى مقصدها(5). · المجذوب في الأدب: يحدثنا فاروق خورشيد عن شخصية " المجذوب " في أدبنا المعاصر منذ بداياته الأولي فيقول :" رأينا المجذوب عند محمود تيمور ونجيب محفوظ وعبد القادر المازني ويحي حقي وعبد الحليم عبد الله ويوسف إدريس ، حتى يكاد أن يكون شخصية ذات طابع عام ومشترك تفرض نفسها علي الكتاب فرضاً بحكم هذا الطابع المهم والمميز وبحكم وجودها الدائم المتكرر في حياتنا العادية واليومية ،هذه الشخصية علي تكرارها لا تلعب دور البطولة في عمل ما وإنما هي دائماً شخصية جانبية وهامشية ، إن كانت مؤثرة حينا وموحية حينا ، ولكنها شخصية يجد فيها القصاصون وسيلة من الوسائل الهامة في استكمال رسم الجو الشعبي العام للأحياء الشعبية وللقري أيضاً، كما أنها وسيلة للإيحاء بجو العمل القصصي ،وربما وسيلة لإبراز بعض المعاني التي لا يراد ذكرها صراحة لسبب او لآخر، وكان من الطبيعي أن تنتقل هذه الشخصية من الأعمال الروائية والقصصية إلي المسرح والسينما والتليفزيون وبهذا تجسدت الشخصية من واقع وصف المؤلفين من ناحية ، ومن واقع رؤية نموذجها الواقعي في الحياة من ناحية أخري ، ولم تعد متروكة للتخيل الذي يرسمها من مترسبات الذاكرة أو من وهم الكلمات، والصورة العامة للمجذوب أنه رجل في الكهولة أو بدايات الشيخوخة ، أي مازالت فيه قوة ومازال فيه عنفوان ،حاد النظرات مشوش الملامح ، أي تكاد ملامحه تصبح لا أهمية لها ، قد يكون ملتحيا و قد لا يكون ... وقد يكون ذا شارب وقد لا يكون .. مهلهل الملابس ، أو لا تستره من الملابس إلا خرق بالية. يمسك في يده عصا أو ما يحل محلها كجريدة خضراء ، أو سيف خشبي. وهو في الغالب حافي القدميين، إلا إنه دائماً ممشوق القوام، أو منتصب القامة علي الأقل.. صوته جهوري، ونبراته مميزة ذات طابع تهديدي دامغ وحاد... وهذا لا يمنع أن تاتي الشخصية هادئة وقورة، ولكنها تنطق من الكلمات الهادئة ما يحير ، ويدفع إلي التساؤل عن سر هذا الهدوء، ومعني هذا الوقار.. وعلي كل حال، سواء جاءت الشخصية متمردة صاخبة، أو هادئة وقورة فهي دائماً شخصية رافضة لما هو قائم ، ساخرة مما يألفه الناس، وما يستكينون له في معاشهم وأحوالهم ، دامغة لهم بالإستسلام، وموعدة ومنذرة بعذاب الآخرة وويلاتها، وشخصية المجذوب قريبة الشبه جداً بشخصية الزاهد وشخصية الدرويش ، فهي تأخذ من الأول تدينه وعزوفه عن الدنيا ، وإبتعاده عن الزخارف ، والإكتفاء بالحد الأدني من الطعام، والحد الأدني من الملابس ، والحد الأدني من إحتياجات الحياة، كما أنها تاخذ منه المعرفة بالدين والإرتباط بعالم المثل، أو عالم المتصوفة، والزاهدين في الدنيا، والكاشفين لزيف متعها . وهي تأخذ من الثانية سياحتها الدائمة في البلاد، وبعض سماتها كالعصا أو الألوان الخضراء ، وما هي علية من سذاجة وتسليم ورضا بالقليل ، والتواكل ، والإيمان المطلق بأنه علي حق ، وأنه يعرف طريقه إلي نعيم الآخرة ... ومع هذه الإختلافات إلا ان شخصية المجذوب تجمع بين مزيج من الشخصيتين ، وقد ينحاز تماما مرة ليكون هو الزاهد صاحب الحكمة الهادئة المؤثرة وصاحب الموقف الذي لا يغيره أيا كانت الضغوط والمخاطر ، وقد ينحاز مرة أخري ليكون هو الدرويش الذي ينطق بما لا يفهمه الناس ، ويسير في البلاد صارخاً بكلمة الحق أيضا أينما حل ، وقد اتخذ سمتا معينا يحدد هويته ، ويعلن عن رسالته .. وقد يكون فيه شيئ من براءة وشئ من سذاجة ، ومع هذا فإن ما فيه من إيمان عميق يعطيه جواز المرور بين المؤمنين الطيبين المتسامحين وقد يقترب بهذا من أصحاب الطرق الصوفية(6)، ولعل هذا ما يجعل شخصية المجذوب محيرة فهو ينطق بالحكمة التي من الجائز أن نعتبرها على حد فهمنا لجاك لاكان الذي يرى أن كتابات – ونحن نضيف من عندنا كلمات أيضا – المجنون الإلهامية إنما تكون على غرار كتابات – كلمات – الرسل ، وعلى أن المجنون ليس بالرسول إلا في عالمه أو أرضه الغريبة والمنعزلة التي تميز حالة الهذيان والبارانويا (7). وينطق المجذوب في حين آخر بالهذيان Delirium الذي يعد اضطراب عقلي عضوي يتميز بنقص قدرة المحافظة على الانتباه للمثيرات الخارجية وصعوبة الانتقال من مثير الى الخر واختلال التفكير كما يبدو من اللف والدوران او عدم ارتباط الافكار ببعضها وعدم اتساق الكلام مع نقص مستوى الوعي واختلال الادراك الحسي وعدم ادراك الزمان والمكان و الاشخاص وحدوث خلل في الذاكرة (8) ، وهنا تجتاحنا الحيرة ويجدر بنا أن نتساءل هل المجذوب مريض نفسي أم هو شخص زاهد متصوف ينطق بالحكمة ؟ . · توفيق الحكيم: توفيق الحكيم قامة ابداعية وثقافية لا يمكن تجاوزها في تاريخ الثقافة العربية والعالمية وهو يستحق الوقوف كثيرا في هيكل أعماله ومشروع خطابه الثقافي والابداعي سواء باعتباره مؤسس للمسرح العربي او روائي كبير ترك أثرا في مبدعين كثيرين اقتفوا أثره في الكثير من أعماله وعلى سبيل المثال – ما يتصل بموضوعنا – تأثر عبدالرحمن الشرقاوي في روايته الأرض ، ويوسف ادريس في روايته الحرام ، كل هؤلاء تأثرا برواية يوميات نائب في الارياف وحياة الفلاحين ومشكلاتهم . · حول رواية يوميات نائب في الارياف: المجذوب في رواية يوميات نائب في الارياف لتوفيق الحكيم شخصية موجودة في الواقع المعاش ونرى من جانبنا أن توفيق الحكيم في حقيقة الأمر لم يبتكر هذه الشخصية – الشيخ عصفور – لأنها كانت موجودة بالفعل ، وما قام به توفيق الحكيم هو تدوين لصفات شخصية الشيخ عصفور وملامحه الشكلية والنفسية وسجل لنا مقاطع من كلماته التي ينطق بها دائما بحيث أصبحت جزءً منه. ولسنا نختلف مطلقا مع صبري حافظ حين يرى من جانبه أن يوميات نائب في الأرياف أعمق أعمال توفيق الحكيم وأجملها ، وأنها قد أنطلقت من الواقع الحسي الملموس، ففي هذه الرواية يقدم لنا الحكيم بسخرية شفيفة تناقضات الواقع ، ويكشف عن نبض الحياة فيه ، ويقدم انتقاده لقانون نابيلون الذي لم يحقق اكتشاف القاتل في الجريمة التي استدعى ممثلو القانون لإماطة اللثام عن غوامضها فحسب ، ولكنها تساهم في ارتكاب جريمة جديدة اكثر غموضا وأشد بشاعة وهي جريمة قتل "ريم"(9). وفي تلك الرواية التي تحمل طابع السيرة الذاتية والتي نشرها توفيق الحكيم عام 1937 انتقاد لاذع ضد المؤسسة القانونية التي تطبق قانون فرنسي هو قانون بونابرت على شعب فقير جاهل فسلبته حريته وآدميته ، ولقد استوحي توفيق الحكيم روايته من حياته كوكيل نيابة بأحد مراكز الوجه البحري ، وفيها مشاهدات عن حياة الفلاحين وعاداتهم وكلامهم ومعتقداتهم وظلم واهمال موظفي الحكومة وطغيان ملاك الأراضي لهم ، وفيها – الرواية- ادانة لتطبيق القوانين وتلكأ جهاز العدالة والقضاء وضياع حقوق الشعب ، ونتيجة لهذه الرواية تمت مساءلة توفيق الحكيم وانتقل – عقابا له – من العمل في النيابة الى ادراة التحقيقات بوزارة المعارف – التربية والتعليم حاليا- (10). · الشيخ عصفور: يقول توفيق الحكيم :"فظهر ذلك الرجل العجيب الذي يهيم على وجهه بالليل والنهار ، لا يعرف النوم ، يغني عين الاغنية - ورمش عين الحبيبة يفرش على فدان – ويلفظ كلمات ويلقي بتنبؤات ، يصغي إليها الناس ، ذلك الرجل الذي لا يفرحه شيئ مثل خروجه الى الحوادث مع لبنيابة والبوليس ، فهو يسمع عن بعد بوق "البوكس فورد " ويتبعه اينما ذهب كالكلب الذي يتبع سيده الى الصيد ، لماذا كل هذا ؟ " (11 ). ودعونا نقترب من الشيخ عصفور فنسمع صوته يرتفع قائلا : " فتش عن النسوان ، تعرف سبب الأحزان ، ورمش عين الحبيبة يفرش على فدان ..... (12). في مأساة الحلاج يقول الشرطي للحلاج :"اذهب يا مجذوب . فيرد الحلاج :" مجذوب نحو النور يا ولدي (13). هل هذا هو المقصود بالمجذوب يقينا ان الحلاج حور المعنى واضاف اليه من عنده معنىً جديداً حيث اللغة في التصوف تحمل دلالات ومعاني اكثر مما يتوقع السامعون أو القراء. وها هي كلمات الشيخ عصفور المليئة بالايجاز الذي يسمح بكثرة التأويلات عندما يقول فتش عن النسوان تعرف سبب الأحزان هل يمكن أن نذهب الى ان الشيخ عصفور قد عرف قول فولتير- كاتب المسرح الفرنسي- chercher la femme فتش عن المرأة – دائما - في المشكلات ، ويقينا أن عصفور لم يطلع على الثقافة الفرنسية ولا العربية ولكن بوعي وإلهام ولغة غير لغة العامة يستبصر عصفور بحكمة لا نقول فرنسية ولكن حكمة انسانية تدعونا للنظر في الاحداث والوقائع وعن دور المرأة فيها ، ولعل عصفور قد استدمج في اللاشعور الحكمة القائلة وراء كل عظيم امراة ، ووراء كل فاشل عدة نساء ،،، وهنا نتأكد أن عصفور تصدر الحكمة عنه لا عن وعي بها ولكن عن لغة خاصة تتعلق بالجنون الذي يصبغ العقل والتفكير بلغة لها قانونها الخاص ذلك القانون الالهامي البعيد عن المنطق تماماً. ومرة ثانية نرى الشيخ عصفور يجري في الطريق عاري الرأس بدون عوده الاخضر والصبية والغلمان وجمع من الاهالي خلفه وهو يصيح كالمجنون : " ورمش عينها يا ناس يفرش على الميه واحدة بياض شفتشي والتانية بلطية والتالتة من بدعها غرَّقها في الميه ( 14). هو يكشف سر الجريمة الأولى ( مقتل قمر الدولة علوان ) والجريمة الثانية (مقتل ريم عن طريق الغرق) وكأنه يعلم الأسرار ، ويشير بطرف خفي الى أن وراء جريمة القتل المرأة ولكن هل يأخذ بأقواله أحد ؟ يقينا أن لا . وها هو يقول في التحقيق معه ما يلي : من انت ؟ أنا ...عصفور ، ألقط الحب فوق التراب ، واعبد رب التراب ! تكلم جد يا راجل .أسمك؟ عصفور . انا كنت صياد / وصيد السمك غيه / نزلت بحر السمك / اصطاد لي بلطية / وعجبني شكل السمك / في البحر / حواليه / واحدة بياض شفتشي / والتانية بلطية / واحدة بياض شفتشي / والتانية بلطية / والتالتة من بدعها / سحرت مراكبيه (15). وهنا نلمح من كلمات الشيخ عصفور أنه يشير إلى أن هناك من يعمل في صناعة المراكب أو من يعمل في هنة الصيد وأن ذلك الشخص قد يكون له صلة مياشرة أو غير مباشرة بمقتل زوجة قمر الدولة علوان ، أو مقتل البنت ريم . وعندما التقى عصفور بالنائب وسأله عن معرفته بمكان البنت ريم رد قائلا:" نهيتك ما انتهيت والطبع فيك غالب وديل الكلب ما ينعدل ولو علقوا فيه قالب (16). وهنا يؤنب عصفور وكيل النيابة ويتهكم عليه لعدم قدرة وكيل النيابة على الاستفادة من اشاراته وعباراته. ولما غرقت ريم في النهر واختفت عن العيون سأل النائب الشيخ عصفور عن ريم فقال : " إيش راح ينوبك من الشكيان ويفيدك ليه ما حكمتش على طيرك وهو في ايدك(17) . وهنا نلمح أن سر القضية كله كان مع البنت ريم وأن عصفور أدرك ذلك ونبه إليه بلغته الرمزية ولكن لم يستفد أحد من إشاراته ورموز لغته، فصحيح أن اللنت ريم لما تم استدعائها للتحقيق معها وتقدم الليل رأت النيابة أن يتم التحفظ عليها في المركز، ولكن مأمور المركز أصر على أخذها لمنزله طنعا فيها نتيجة لجمالها وحسنها وفي الصباح غادرت بيت مأمور المركز ولم تعود إليه مرة ثانية حتى تم التبليغ عن وجودها غارقة في مياه النيل ، وكذلك يتضح تهكم عصفور على وكيل النيابة لتفريطه في ريم التي كان معها سر القضية ، والتي أُضطر وكيل النيابة الى أن يغلق ملف القضية حيث يقول :" وغمست القلم في المداد وتناولت القضية الأولى وهي قضية "قمر الدولة علوان " ، ثم كتبت في ذيل المحضر الاشارة المعهودة : "حفظ القضية لعدم معرفة الفاعل ..الخ الخ . أديب مصري شاب من جيل التسعينيات فاز بجائزة جامعة القاهرة في القصة القصيرة 1990 وعدة جوائز اخرى على مدار سنوات إبداعه ، يعمل بالكتابة والصحافة والتحرير الأدبي لعدد من الموسوعات الأدبية ، صدر له من قبل "طعم الوجع" 1998 ،و"صيد المطر"1998 ، و"سبت النور" 2006 ،وصدرت مجموعته الحالية "حوريات الضوء" 2006 . · أبو صفارة : تضم المجموعة القصصية "حوريات الضوء" ثلاث عشرة قصة قصيرة وقد اخترنا قصة " أحلام أبو صفارة " لما فيها من شخصية المجذوب الذي اطلق عليه المؤلف اسم "ابو صفارة" كنية لبطل القصة وهو من ابطال الحرب الذين أصيبوا بالجنون- وكلمة الجنون من الوجهة العلمية لا أصل لها لأنها تعني في المعجم الوجيز جن جنوناً يعني زال عقله ، والجنون الذاهب العقل أو فاسده (18) ، وليس في مجال الطب النفسي ولا المرض النفسي من يذهب عقله أو يفسد لأنه ليس هناك وجود محدد للعقل ولكنه هو عمل المخ وبالتالي يمكن أن تضطرب وظائف المخ مثل الإدراك و الانتباه والتذكر ..الخ وفي هذه الحالة لا نوافق توفيق الحكيم الذي استخدم نفس الكلمة لوصف عصفور في روايته ، ولا إبراهيم عطية عندما استخدم هذه الكلمة أيضا عندما وصف أبو صفارة قائلا :"...وجن حنونه عندما حوطوه بضحكاتهم الساخرة (19)، وبعد خروجه من المعركة وهو يرتدي جلبابا كالحة كأنها مستودع من القمامة يعف عليها أسراب من الذباب ، شعر رأسه منكوش – نلاحظ هنا اتفاق ما ذكره إبراهيم عطية من صفات شكلية للمجذوب مع الصورة الشائعة له في التراث الأدبي أو في الحياة الواقعية - ، يردد كلمة تتكرر طوال القصة :" اصحوا يا عالم ، فوقوا يا خلق ، .الطوفان جاي ...!!". وإذا ما أنعمنا الفكر في تحليل تلك المقولة نذهب إلى أن فعل الأمر في أصحوا ياعالم يدل على خوف أبو صفاره مما سيأتي وبالتالي يأمر العالم بالصحو من النوم وكأن الناس في مصر نياما ، ومحددا بكلمة يا عالم لأنها التعبير عن الناس باللغة العامية المصرية ، وفي مقولة الطوفان جاي ينبهنا إلى كوننا قوم نوح الذين بعدوا عن تعاليم المحافظة على الوجود في الحياة وغياب دورنا الفاعل فيها ، ويغيب في تلك الجملة السفينة التي يمكن أن تحملنا ، كما يغيب من هو نوح الجديد القادر على قيادة السفينة ، كما يستتر أيضا المكان الذي ستأوي إليه السفينة ،، ولكن من الواضح أن الجملة محملة بالرموز السابقة فالصحو هو السفينة وأن نفيق من نومنا فذلك قائد السفينة وأما المستقر الذي ستقف عنده السفينة فهو مصر تلك البلد التي ذاقت ويلات الحروب على مدار تاريخها الطويل ،، ، ويقول مرة ثانية :" علينا أن نستعد للمواجهة..المهمة صعبة ،، اصحوا بقه وفوقوا ..الطوفان جاي (20) ونلاحظ غياب اسم بطل القصة وظهور كنية له ، ويعد ذلك أحد الرموز المهمة التي ستكشف عن شيوع وكثرة أبطال الحرب الذين تأثروا بما حدث بعد الحرب ولا يخفى أن الاشارة هنا الى اتفاق السلام الذي تم عقده ورفضهم له بحيث اصابهم ذلك الاتفاق بحالة من الجنون ،كما نلاحظ غياب تحديد اسم الحرب وهل هي حرب 1967 او حرب 1973 وفي هذا أيضا اشارة ترمز الى كون الحرب مدمرة ، أي حرب مهما كانت وفي أي مكان . ومن جانبنا نذهب إلى أن اهتمام إبراهيم عطية برمز أبو صفارة واختياره من أبطال الحرب يعود إلى أن إبراهيم عطية من مواليد محافظة الشرقية تلك المحافظة التي شهدت أثار حرب 1967 حيث ضرب مدرسة بحر البقر الابتدائية وموت أطفالها بنيران الطيران ،، كما نجد أن إبراهيم عطية يشير بطرف خفي إلى دور امريكا في الحياة الاجتماعية المصرية حيث يدين ذلك الوجود في عبارة :" اقترب أبو صفارة من سيارة حمراء يقودها أحد الشباب الخنافس ..مد يده ناحيته . وحياة أبوك هات شلن . فأعطاه سيجارة من علبة المارلبورو ، وعلقت البنت التي بجواره في السيارة وهي تتمايل على نغمات موسيقى الديسكو الصاخبة في نعومة انثوية مبالغ فيها ... ابسط يا عم ..اتكيف وهيص ..! !(21) الرواية ص 61)،، ويوجه إبراهيم عطية انتقاداته وهجومه على الكثير من السلوكات السيئة والغريبة في المجتمع مثل الفساد في المرور فيقول :"....السائقين في المدينة الذين أصبحوا لا يخشون رجال المرور بعدما عرفوا "الفولة " اطعموا الفم فاستحت العيون..!(22 ص 57 ) كما لنا أن نلاحظ أن إبراهيم عطية وقع في ما لا يجب أن يقع فيه حيث يقول :" حاول أحدهم التخفيف عنه بالطبطبة على كتفه لتهدئته إلا انه انقض عليه في هيستريا وأطبق في زمارة رقبته الطويلة حتى خلصوه الناس من قبضته (23)، أن ما ذكره هنا واسماه هستيريا ليس بهستيريا كما يعرفها علم النفس والطب النفسي بل هو الوصف الشائع لدى العامة وهنا تجدر الإشارة إلى أن عمر شاهين ويحيى الرخاوي يذكران أن كلمة هستيريا قد أُسيء استخدامها من لدى العامة فأصبحت مرادفة لكلمة الجنون في حين أنها مرض نفسي محدد المعالم (24)، وأما تعريف الهستيريا كما جاء في موسوعة علم النفس والتحليل النفسي حيث يقول فرج عبد القادر طه:" الهستيريا Hysteria أكثر الامراض النفسية العصابية انتشارا والهستيريا مرض نفسي متشعب الأعراض والمظاهر ، ومتعدد الأنواع ايضا ، ومن حسن الحظ أنه من أخف الأمراض النفسية وأقلها خطورة وأسرعها شفاء فهناك على سبيل المثال الهستيريا التحولية وهناك الإغماء الهستيري والتجوال النومي – المشي أثناء النوم – وكف البصر الهستيري , وشلل الأطراف الهستيري ..الخ ، والمريض الهستيري قد يكابد أعراض نوع واحد من أنواع الهستيريا وعلى مستويات مختلفة من الشدة مضافا إليها بعض الأعراض العامة للهستيريا مثل أضطراب الذاكرة أو شدة القابلية للايحاء أو سرعة تقلب المزاج أو القلق أو اضطراب بعض الوظائف النفسية (25) وهكذا نلاحظ أن إبراهيم عطية آثر الفهم الشائع لدى العامة حول الهستيريا. ومرة ثانية يقع إبراهيم عطية في خطأ تاريخي وعلمي حيث يقول :" ...صرخ باكيا وشد الجلباب بعنف فانقدت – قطعت – وكشفت عن بنيان فرعوني كأنه عملاق في صورة بني آدم (26) ، وما يذكره المؤرخون وكتاب المصريات أن المصريين القدماء هي التسمية الصحيحة أما الفرعون فهو الملك في أحد مراحل عمره التي يعيشها ، وأما ذلك البنيان الجسدي الهائل والعملاق فلم يكن المصريون القدماء بهذا الشكل ولا الهيئة التي يتصورها عامة الناس (27)، والمتأمل في أحجام المومياوات المصرية الموجودة في المتحف المصري سيجد في يسر و سهولة أن المصريين القدماء كانوا في أحجام المصريين المعاصرين ، وليس هذا فحسب بل كان فيهم أقزاما أيضا ولعل تمثال القزم " سنب" تأكيد لذلك ، كما أن مكانته الوظيفية كمسئول عن قصر الملك والخزانة وقصة زواجه لهي مثال نادر في حصول الأقزام على حقوق مساوية للعاديين. ويعرض لنا إبراهيم عطية جانبا من شخصية أبو صفارة ذلك المجذوب :" ونفخ في صفارته متجها إلى البنت (حورية) التي تسكن الرصيف وتبيع المناديل الورقية ممسكا يديها بحرارة المشتاق لمحبوبته ، ، أخرج من جيبه المنتفخة حصيلة يومه وأعطاها إياها ، ودعها بابتسامة متبادلة فطار من فوق الأرض مخترقا زحام السيارات وصفارته بين شفتيه ينفخ فيها ، صوتها يخترق سماء المدينة توووت ,,توووت... (28). وهنا يؤكد إبراهيم عطية على وجدان أبو صفارة وحبه للمرأة التي أطلق عليها اسم حورية وكأن عالم المجذوب الخاص يحتاج لمرأة تشبه الحورية التي في الجنة وفي هذا تعمق في شخصية المجذوب وبحث في أغوارها ، ويختم بذلك الحرص على المدينة التي ترمز لمصر ويطلق صفارته لعلها توقظ النيام فيكون الصحو ومواجهة الطوفان القادم من جهة الشرق ويعلو صوت صفارته / جرسه / توووووووت تووووووت. · ملاحظات ختامية: نلاحظ من خلال ما سبق أن توفيق الحكيم قد أضاف من ثقافته الشخصية بعض معارفه على شخصية عصفور حيث أن مقولة فتش عن المرأة لهي من أثار ثقافته الفرنسية ودليلنا على ذلك أن توفيق الحكيم قد درس القانون في فرنسا وتعرف على الثقافة الفرنسية بألوانها المختلفة ، كما أضاف إبراهيم عطية أيضا على شخصية أبو صفارة بعضا من ظروف نشأته الاجتماعية وربما معاصرته لنكسة يونيه 1967 ، ولنصر أكتوبر / رمضان 1973 ، وهو بالقرب من مسرح أحدثها في الجهة الشرقية لمصر ، كما أن شخصية عصفور لدى توفيق الحكيم لهي من صنع الواقع لكنه أضاف إليها ، أما شخصية أبو صفارة لدى إبراهيم عطية فهي من إبداعه الخاص ليصب فيها باعتباره شخصية رمزية مجموعة من الانتقادات للمجتمع وللتحذير من الجري وراء الثقافة الامريكية والخطر الصهيوني وهو يتفق مع توفيق الحكيم في أن كلا منهما يوجه سهام نقده لسلبيات المجتمع المصري ، بالرغم من أنهما في عصرين مختلفين توفيق الحكيم في النصف الأول من القرن العشرين ، وإبراهيم عطية في بدايات القرن الواحد والعشرين ، كما تبين أن توفيق الحكيم وإبراهيم عطية قدما نموذج يكاد يكون مثاليا لشخصية المجذوب من حيث الوصف الشكلي وملامح ملابسه وقسمات وجهه وطريقة حركاته البهلوانية ، ومشيته ، وطريقته في الكلام وترديد العبارات في كل مناسبة ، كما اتفق لديهما أن المجذوب شخصية تتوق للحب وتعشق الحسن في المرأة فعصفور أحب امرأة وقد ماتت أيضا منذ عامين كما جاء في الرواية ، وأبو صفارة أحب أيضا كما سبق ورأينا ، وبدا لدى كل منهما – توفيق الحكيم و إبراهيم عطية - أن المجذوب شخص ينطق بالحكمة إذا لم يخشى العقاب واطمأنت نفسه، وينطق بالهذيان إذا اقتضت الظروف ذلك وخشي المسئولية والعقاب. 1) فرج أحمد فرج : التحليل النفسي والقصة القصيرة .مجلة فصول ، ،المجلد الثاني ،العدد الرابع ، يوليو – أغسطس – سبتمبر، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1982. 2) فرج أحمد فرج: مقال في العدوان . مجلة علم النفس , العدد 27, الهيئة المصرية العامة للكتاب , القاهرة. 1993. 3) 4) مراد وهبه : مقالات فلسفية وسياسية. ط1, مكتبة الأنجلو المصرية, القاهرة. 1971. 5) عبد الله عسكر: غياب الأب الرمزي " دراسة في التحليل النفسي لمضمون رواية الطريق لنجيب محفوظ " .ط2 القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية. 1997 . 6) فاروق خورشيد:المجذوب" العاقل المجنون ودراسات شعبية أخرى".الهيئة العامة لقصور الثقافة .القاهرة.1996. 7) سيد البدوي :جاك لاكان "تاريخ حياته".أوراق فلسفية مجلة غير دورية .العدد 16.القاهرة. 2007. 8) محمود حمودة:النفس "اسرارها وامراضها. ط2.مكتبة الفجالة.القاهرة .1991 9) صبري حافظ : توفيق الحكيم "تأملات في الأدب والفن" . الهيئة العامة لقصور الثقافة. القاهرة .1998. 10) عبدالرحمن أبو عوف : توفيق الحكيم بين عودة الروح وعودة الوعي. الهيئة العامة لقصور الثقافة. القاهرة .1998. 11) توفيق الحكيم : يوميات نائب في الارياف . الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة . 1995. 12) توفيق الحكيم : مرجع سابق : ص 19. 13) صلاح عبد الصبور:مأسة الحلاج "مسرحية شعرية".الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة. 1995. 14) توفيق الحكيم : مرجع سابق : ص 19. 15) توفيق الحكيم : مرجع سابق : ص 77. 16) توفيق الحكيم : مرجع سابق : ص 103. 17) توفيق الحكيم : مرجع سابق : ص 140. 19) إبراهيم عطية :حوريات الضوء.قصص قصيرة.سلسلة خيول أدبية تصدرها محافظة الشرقية بالتعاون مع مديرية الثقافة.2006. ص 57. 20) إبراهيم عطية:مرجع سابق : ص 56. 21) إبراهيم عطية: مرجع سابق : ص 59. 22) إبراهيم عطية: مرجع سابق : ص 57. 23) إبراهيم عطية: مرجع سابق : ص 61. 24) عمر شاهين ويحيى الرخاوي: مبادئ المراض النفسية .ط3 .مككتبة النصر الحديثة .القاهرة .1977. 25) فرج عبد القادر طه : موسوعة علم النفس والتحليل النفسي. ط3, دار الوفاق للطباعة والنشر بأسيوط .2005. 26) ابراهيم عطية: مرجع سابق : ص 56. 27) : سليم حسن : موسوعة مصر القديمة. الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة . 2000. 28) ابراهيم عطية: مرجع سابق : ص 62. غلاف الرواية توفيق الحكيم
18) مجمع اللغة العربية :المعجم الوجيز .الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية.القاهرة .2007.
الخميس, 01 يناير, 2009
إبراهيم عطية:
الهوامش:
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








